محمد الغزالي
69
فقه السيرة ( الغزالي )
بحيرا الراهب ولا نجد في السّنن الصحاح أنباء تصف هذه الرحلة - رحلة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى الشام برفقة عمه أبي طالب - ، إن الأسفار من أخصب أبواب المعرفة ، وأعمقها أثرا ، ومثل محمد عليه الصلاة والسلام في صفاء ذهنه ونقاء قلبه ، لا يعزب عنه وجه العبرة فيما يرى ، في حلّه أو ترحاله ، على أن من المقطوع به أنه لم يخرج لدراسة دين أو فلسفة ، ولم يلق من يتحدّث معه في ذلك ، وقد روت كتب الأخبار بعض خوارق ، ذكرت أنها وقعت له ، من ذلك التقاؤه بالراهب ( بحيرا ) الذي تفرّس فيه ، ورأى معالم النبوة في وجهه وبين كتفيه ، فلمّا سأل أبا طالب : ما هذا الغلام منك ؟ قال : ابني ، قال : ما ينبغي أن يكون أبوه حيّا ! قال : فإنه ابن أخي ، مات أبوه وأمه حبلى به ، قال : صدقت ، ارجع به إلى بلدك واحذر عليه يهود . وقد تكون هذه القصة صحيحة ؛ فإنّ البشارة بنبيّ بعد عيسى عليه السّلام موجودة في الكتاب المقدّس عند النصارى ، وهم - منذ تكذيبهم برسالة محمد عليه الصلاة والسلام - يرقبون هذا النبيّ المنتظر ، ولن يجيء أبدا . . . لأنّه جاء فعلا . . ! . وسواء صحّت قصة ( بحيرا ) هذه أم بطلت « 1 » ؛ فمن المقطوع به أنها لم تخلف بعدها أثرا ، فلا محمد - عليه الصلاة والسلام - تشوّف للنبوة أو استعدّ لها لكلام الراهب - ولا أصحاب القافلة تذاكروا هذا الحديث أو أشاعوه ؛ لقد طويت كأن لم تحدث ، مما يرجّح استبعادها . وقيل أيضا : إن كوكبة من فرسان الروم أقبلت على ( بحيرا ) كأنها تبحث عن شيء ، فلما سألها : ما جاء بكم ؟ قالوا : جئنا لأنّ نبيا يخرج هذا الشهر ، فلم يبق طريق إلا بعث إليها الناس للقبض عليه ، فجادلهم ( بحيرا ) حتى أقنعهم بعبث ما يطلبون .
--> ( 1 ) بل هي صحيحة ، فقد أخرجها الترمذي : 4 / 296 ، من حديث أبي موسى الأشعري ، وقال : « هذا حديث حسن » . قلت : وإسناده صحيح ، كما قال الجزري . قال : « وذكر أبي بكر وبلال فيه غير محفوظ » . قلت : وقد رواه البزار ، فقال : « وأرسل معه عمه رجلا » .